▪︎هل تقع السماء على الأرض كما جاء في القرآن ؟؟
أولاً، يجب أن نعرف معنى كلمة "سماء" وأصلها، ونفسرها حسب سياق الآية الكريمة.
(لسان العرب — ابن منظور (٧١١ هـ))
سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُقَالُ للحَسيب وَلِلشَّرِيفِ: قَدْ سَما. وَإِذَا رَفَعْتَ بَصَرك إِلَى الشَّيْءِ قُلْتَ: سَما إِلَيْهِ بَصَرِي، وَإِذَا رُفِعَ لَكَ شيءٌ مِنْ بعيدٍ فاسْتَبَنْتَه قُلْتُ: سَما لِي شيءٌ. وسَما لِي شخصُ فُلَانٍ: ارْتَفَع حَتَّى اسْتَثْبَتّه. وسَمَا بصرُه: عَلَا.
—————
(الصحاح — الجوهري (٣٩٣ هـ))
سما
السَماءُ يذكر ويؤنّث أيضاً، ويجمع على أسمية وسماوات.
والسماء: كلُّ ما علاك فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سَماءٌ.
—————
فمن الممكن أن يكون لفظ السماء قد أطلق على جميع الموجودات العلوية التي يشملها لفظ {السماء} الذي هو ما علا الأرض فأطلق على ما يحويه، كما أطلق لفظ الأرض على سكانها في قوله تعالى : {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد : 41]
فالله يُمسك ما في السماوات من الشهب ومن كريات الأثير والزمهرير عن اختراق كرة الهواء، ويمسك ما فيها من القُوى كالمطر والبرَد والثلج والصواعق من الوقوع على الأرض والتحكك بها إلا بإذن الله، فجعلها سقفاً محفوظاً من السقوط عليها، قالوها لأنتهت الحياة على الأرض.
فالآية تقول إن الله سبحانه وتعالى يحمى الأرض من كل شئ أعلاها أن يقع عليها أو يصطدم بها، وجعل السماء سقفاً (الغلاف الجوي) محفوظاً يحميها من الإصطدامات من النيازك والشهب، فلولاها لأنتهت الحياة على الأرض.
والعجيب أن وكالة ناسا الأمريكية تستخدم لفظ (السماء تقع - The Sky Falling)
والعجيب أيضاً أن مجلة Nature تستخدم جملة [عندما وقعت السماء على الديناصورات] للتعبير عن اصطدام الأجسام الفضائية (كالنيازك) بالديناصورات مما أدى إلى انقراضها.
————————————
▪︎ثانياً، ماذا قال المفسرين ؟
قد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة ما يدل على قدرته وعظمته، وهو إمساك السماء أن تقع على الأرض.
والظاهر الذي تدل عليه الآية، وهو ظاهر قول أهل التفسير - كذلك - أن المراد بالسماء؛ ما يظهر للناس.
فيكون معنى قوله تعالى: ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض ، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: إن الله بالناس لرءوف رحيم أي: مع ظلمهم. [انظر: "تفسير ابن كثير" (5/ 451)، وينظر : "تفسير الطبري" (16/623-624)]
يقول ابن عاشور: " ومناسبة عطف إمساك السماوات، على تسخير ما في الأرض ، وتسخير الفلك أن إمساك السماء عن أن تقع على الأرض : ضرب من التسخير ، لما في عظمة المخلوقات السماوية من مقتضيات تغلبها على المخلوقات الأرضية ، وحطمها إياها ، لولا ما قدر الله تعالى لكل نوع منها من سنن ونظم تمنع من تسلط بعضها على بعض، كما أشار إليه قوله تعالى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون [يس: 40] .
فكما سخر الله للناس ما ظهر على وجه الأرض من موجودات ، مع ما في طبع كثير منها من مقتضيات إتلاف الإنسان، وكما سخر لهم الأحوال التي تبدو للناس ، من مظاهر الأفق مع كثرتها وسعتها وتباعدها، ومع ما في تلك الأحوال من مقتضيات تعذر الضبط ؛ كذلك سخر لمصلحة الناس ما في السماوات من الموجودات ، بالإمساك المنظم ، المنوط بما قدره الله كما أشار إليه قوله: إلا بإذنه أي تقديره " انتهى من "التحرير والتنوير" (17/ 322 - 323).
ثانيًا:
ذكر بعض العلماء أن لفظ (السماء) في الآية الكريمة، تحتمل عدة أوجه:
1- أنها ما قابل الأرض، فتكون شاملة للسماء وما فيها، ويكون وقوعها على الأرض بمعنى الخرور والسقوط ، فيكون المعنى: أن الله بتدبير علمه وقدرته جعل للسماء نظامًا يمنعها من الخرور على الأرض.
2- أن السماء بمعنى المطر، ويكون إمساكه لأنه لو استمر نزول المطر على الأرض لتضرر الناس.
3- ويجوز أن يكون لفظ السماء قد أطلق على جميع الموجودات العلوية التي يشملها لفظ السماء الذي هو ما علا الأرض فأطلق على ما يحويه، فالله يمسك ما في السماوات من الشهب .. ويمسك ما فيها من القوى كالمطر والبرد والثلج والصواعق من الوقوع على الأرض إلا بإذن الله فيما اعتاد الناس إذنه به من وقوع المطر والثلج والصواعق والشهب وما لم يعتادوه من تساقط الكواكب.
انظر: " التحرير والتنوير"(17/ 320 - 324).
وبالتأمل في هذه الوجه؛ فإن أقواها أن يكون المراد بالسماء السماء المعروفة، لأنه ظاهر الكلام، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.
قال ابن كثير رحمه الله :
" وقوله: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض أي: من حيوان، وجماد، وزروع، وثمار. كما قال: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [الجاثية: 13] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، والفلك تجري في البحر بأمره أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه.
ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ ولهذا قال: إن الله بالناس لرءوف رحيم أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب [الرعد: 6] ." انتهى "تفسير ابن كثير" (5/450-451).
وقال العلامة الشيخ الشنقيطي رحمه الله :
" قوله تعالى: ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) :
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي يمسك السماء ، ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض ، فأهلكت من عليها ، كما قال: ( إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ) الآية [34 9].
وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى: ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده الآية ) [35 41] ، وكقوله: ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) [23 17] ، على قول من فسرها: بأنه غير غافل عن الخلق ، بل حافظ لهم من سقوط السماوات المعبر عنها بالطرائق عليهم.
والله أعلم.
تعليقات
إرسال تعليق